Translate

من أنا

صورتي
الشعر والأدب والثقافة العربية والحفاظ علي اللغة العربية من الإندثار والعمل علي إثراء الحالة الأدبية بين الكتاب بمختلف الثقافات هدفنا الإرتقاء بالكلمة والحرف لنصنع معاً جنائن الحروف

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 17 مايو 2017

بين موقف واخر / الاستاذ الراقي احمد رحال



 بين موقف وآخر ...
6 / 2015
زائـــــرَة
كدَئبـِنا ، و نحن ثلـّة من رفاق الصّبا ، ألفنــَا الجلوس إلى المقهى بعد صلاة العصْر ، و كل منـّا يستبق الحديث عن دُعابة أو طـرافة حدثت له أثـنــاء عمله ، / وقد كتب كلّ واحد منـّا تاريـخه في حياته بأسلوبـه / و بما أن الحديث ذو شجون / ، ولم تكن لنـَا أدنى أدبيـّات الحـِوار، و لا دمــقـْرطـّةُ النــّقـاش ، لم نصْغ أبدا إلى ما قاله هـذا أو ذاك ، و لم يكمـّل أحد منـّا قصّـته ،،، كلهم إنجـاز جيــل ٍ واحـدٍ و تجاربهم لا تتفاوت عن بعضـها ، اللهـمّ ما حـوى الزمان و المكان ؛ كانت الطاولة خارج سياج المبنـىَ ، بعيدا عن سخب المقهى وما تعلوُه من صياحات مباغـِتة ، تهتـزّ المقهى من زمجرتهـا كلـّما سجـّل فريق هـدفــًا.... جيل آخـر وفكر آخـر و أفـُق آخـَر ،،، لربّمـا تخلـُو منه فتـُون ما اعتقدنـاه لسِنيـن / نحن ورثة جيل الكلاسيك بمفهومه العام ، فنونــا و آذابـا ً / كأخلاقيات ورفعـةٍ و لوْدعيــّة ورُومانسية . حبـْل الوصال بين جزيرة جيلنــَا و عَوالم هذا النـّشـأ قـِد انفصَمت ، أو تهالكَ مـَتنـُهـا .... طاولتــُنا على مِنضَضة من إسمنت ، تظللها شجرة من الميمُـوزا ، تفوُح من أطراف جـدْعهـا رائحــة الزهـْر المتعفـّن الذي تساقــط من قبـْل ، يَطغـَى على جيـُوب أنوُفنــا بعـِبقه المُستعـْصي من ثـِقل نفحِـــه ، جـّو لطيف تختـَاله لمـَسات نسيم مـُنعش ، يـُغازل خدُودنا و يحثــّهـا على الإبتسـام ؛ كان كرسـيّي يمنحُني مـُتعة مشاهدة غرُوب الشمس ، وهي تزْحفُ على الأفق ، تهالكت خيوطـُهـا و تمــَاوتت ، تــُســاق إلى حتفِهـــا كسَجين قلـّت حيلتـُه و هو يـُقــاد إلى هاويـّة المشَانق . زهـَا بنا الحديث من برَاءة سرْدهِ وعـفويّة أسـْلوبه ، تبــُدو لك مـرايا كل شخصية من تعابيرها و خفـّة حروفهـا و منهجية صياغتهـا ، و تطغى على الـذّهن نظـرة اشمئزاز أو تصريـحة جارحة تسُفّ منـابع الحـِلم منك والتصـبّر؛ خليط من أذواق يعكس مرارة التجارب و سعـادة دكـراها ، نقصّهــا بعدما انزوينا عنهــا إلى جانب دفـَـنت طولـَه أربعين سنة ًخلتْ . كان يجلس قبالتي مبـاشرة صديقي المعـلّم المتقاعد ، شخصيـّة غريبة ، كثـير الإبتســـَام ، قليل الكــلام ، لا يــردّ أبـدا إلا ّ على من خـاطبه باللغـة الفـُصحي ، تحمـرّ خدوده بسهـولة وسط لحيتـه العريضــة المكرُومـة والمنمـّقة ، إذا ما سمع نكتـةً أو دعـابة ، تتـوهُ عن أصـول الـدّين أو تميـل عن سكك المقعُول والجديـّة . كان أوّل من يحـطّ جنـاحيه على الطـّاولة ،/ طاولة المعـلـّم كما يسمـّيها النـّادل / و كنـّا نعْـرفه من بعيد ، لضَخـامة جسمِـه و لوْن بدلتــِه البنـّيـّة ، التي ولا شك عاينت مسـَـاره العمَلي كلـّه ؛ أكلهـا زمهَريرُ المِكـْواة حتى انتابَ خيـُوطهـا بريقٌ خجـِلٌ ومكسـُوف ، تبـْدو عليها صِفـة الفـرْدانيّـة و الشيْخـوخة ، كنـّا لو تثاقــَل علينـا تمْييزه من بين الناس ، حـدّقنا النـّظـر في ربطـةِ عــُنقه المُـزركشة ، يغلبُ عليهـا لونـُها الأصفـر الفــَاقع ، لوَاهـا في ربْطـة لا يـُثقـنُ صَنعتهَـا إلاّ هـوّ ، تـذكـّرنا من اعـْوجَاج عـُقدتهـا ببوَاعث الثورة الفـَرنسِية كمـا لقّنهـا لنا المُستعمِـر. قفز من مكانه و قـد جحضت عينـاه الواسعتين و اشتعلتا و هو يـتوعـّد بسبّـابته كقاض تهيّـأ للحكـم على مـذنب : إنّ ، النــّحْـو هـو مـُقيـم ُ الألسُـن ، وإن عليكـم أن ...و إذا به يسْكت فجـأة كشاة ٍ أقبلت من شـدّة خوفهــا على سبـُع ، و يُحملِق فـوق رأسي و كأنـه سـُلِب من فـتـُُون شيطـَان ماردٍ ، و بـدُون أن أدري ، التفتّ فجــأة ، فـإدا بشبح يعْـلو رأسي ...
ســـيـّدة ٌ ،،، تحمَــل في ظهـْرها رضيعـًـا و بيدهـا اليُمني شبـْه حقيبة مُمـزّقه ، صبيّ لم يتعـدّ الرابعـة من عُمره في يدهــا اليسْرى ، هـول ٌ من شــؤم الزّمـان ، جثــَا على كاهل هـذه المخلوقة البائسة ، شقّ الحرمَان حرير شفتيهـا حتى ابيضّت ، و خـدّين اختفى بهاؤهمـا تحت لون ٍ بصَمتـْهُ الشّمس حتى مال للزّرقــة ، أحمْلق في هـَتين العينين الطافـِـيتين على سُطـوح وجه تنكـّرت له كل أسمــاء التجْمـيل و التـّشبيب ، تستـّرت أهداب جفـُونها على حَـوَر عينيهـا المنطفئتين ، تبدُو تحت ثيابهـا الغيـْر المنسجمـة كشادن في قفص فـُرجة ، وقفتْ ولم تبـُح بكلمَـة ، غلب الحيـاءُ عليهــا فأسْدلت خِصلة من شعرهـا غطّت حاجبـَا و أبانت آخـر ، حريرٌ صبغـَه مـداد ليل ٍحالك ، صـفة ُ أخـرى من صِفـات عزيـز قـوْم ٍ ذلّ ...مـدّ الصّبي بصَـره إلى كأس الشـّاي على الطـّاولة و حمْلق فيه بإمعــان ، ثـمّ رفـَع رأسـه ينظر إلى أمـّه و كأنـه يستجْديهـا و لو برشفـة واحِـدة ، هـزّ دراعهَـــا في حياء ٍ و وَهـن ، و أشار بأصبُعـه إلى الكأس على الطـّاولة ؛ وزيرٌ في مملكة البـؤس يشتشيـر سلطان الشّقـاء ؛ أغمضتُ عينيّ من خجـل ما يترائى لي و من سطـوة ِ الحِـرمان و السـؤال ، هـذه السّيـدة الخجُول ليست من قريتنا ،و هـدا البهـَاء المطمُـوس من عـوَز ٍ، غريبٌ على بني بلدي ، فقد بات تحت قناعها المحتوم ، وجـه مستديـر و بشـُوش ، ثغـر كخاتـم من لـُجين ، ترك الخيرُ والجوُد و العـزّة نحوتهـُم على شطئان أجفانهـا المتمَـارضة ...سكـوتٌ مريب ، هجمت عليّ إثـرهُ جيوش من فـِكر ٍ و حنان و تعطّف و حقـدٍ و كراهية ،،، كيف تعلوُ وجوهَهم البسْمـة وقد أفـْـتوا بتشـْريد الجمَـال و الرّءفة و التعطّف ، كيف يضيع كل هـذا الحسْن في قـُمـامة الإفتـراء و التـّعدّي والسّـطوة ؟ أتمـُوت البرَاءة على أزقــّة التعصّب ؟ أيـُرمى البهـاء ُ كسَقـَطِ متاع ؟ . وقفَ صَاحبي ، رغـْم جتُتـه الهائلة المتهالكة ، في لمْح من بصــر ، و دسّ يده في جيْبـه ، و لكن المـرأة مـدّت يـداً نحيفـة بهـا زُجاجة حليب فارغـة ، كانت تستعْملها لترضع صبيّـها ، و كأنهـا تقول : أريـُد أن أطعم أولادي فقـط .
 إنتفض الذين من حوْلي ، واسْتجــابُوا كلّ ٌبعمـَدِه ، و أحسسْت ُ أنـّنا لا نزال نستقبل من حين لآخر نفحـة ً نـديـّة من بواكِر الخيْر والغيث ِ و نحـن نضْرب ُ خبْط عشـواءَ في مفازاتِنـا القـوميـّة و الفكـريّة والعقليـّة والدّينيـّة و الأخــلاقيـّة ..
 أحمد رحال
.....

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

وتبقى نسالني / بقلم الاستاذ عوض الشقران

و تبقى تسألني و ابقى المنتشي بالجوابا ما مللتُ السؤال و لا هي ضاقت ذرعاً بالجوابا ... احببتها بصمت  و بالاشارة كان منها الجوابا لو قلت...

مدونة مجلة جنائن الحروف