بين موقف وآخر ...
6 / 2015
زائـــــرَة
كدَئبـِنا ، و نحن ثلـّة من رفاق الصّبا ، ألفنــَا الجلوس إلى المقهى بعد صلاة العصْر ، و كل منـّا يستبق الحديث عن دُعابة أو طـرافة حدثت له أثـنــاء عمله ، / وقد كتب كلّ واحد منـّا تاريـخه في حياته بأسلوبـه / و بما أن الحديث ذو شجون / ، ولم تكن لنـَا أدنى أدبيـّات الحـِوار، و لا دمــقـْرطـّةُ النــّقـاش ، لم نصْغ أبدا إلى ما قاله هـذا أو ذاك ، و لم يكمـّل أحد منـّا قصّـته ،،، كلهم إنجـاز جيــل ٍ واحـدٍ و تجاربهم لا تتفاوت عن بعضـها ، اللهـمّ ما حـوى الزمان و المكان ؛ كانت الطاولة خارج سياج المبنـىَ ، بعيدا عن سخب المقهى وما تعلوُه من صياحات مباغـِتة ، تهتـزّ المقهى من زمجرتهـا كلـّما سجـّل فريق هـدفــًا.... جيل آخـر وفكر آخـر و أفـُق آخـَر ،،، لربّمـا تخلـُو منه فتـُون ما اعتقدنـاه لسِنيـن / نحن ورثة جيل الكلاسيك بمفهومه العام ، فنونــا و آذابـا ً / كأخلاقيات ورفعـةٍ و لوْدعيــّة ورُومانسية . حبـْل الوصال بين جزيرة جيلنــَا و عَوالم هذا النـّشـأ قـِد انفصَمت ، أو تهالكَ مـَتنـُهـا .... طاولتــُنا على مِنضَضة من إسمنت ، تظللها شجرة من الميمُـوزا ، تفوُح من أطراف جـدْعهـا رائحــة الزهـْر المتعفـّن الذي تساقــط من قبـْل ، يَطغـَى على جيـُوب أنوُفنــا بعـِبقه المُستعـْصي من ثـِقل نفحِـــه ، جـّو لطيف تختـَاله لمـَسات نسيم مـُنعش ، يـُغازل خدُودنا و يحثــّهـا على الإبتسـام ؛ كان كرسـيّي يمنحُني مـُتعة مشاهدة غرُوب الشمس ، وهي تزْحفُ على الأفق ، تهالكت خيوطـُهـا و تمــَاوتت ، تــُســاق إلى حتفِهـــا كسَجين قلـّت حيلتـُه و هو يـُقــاد إلى هاويـّة المشَانق . زهـَا بنا الحديث من برَاءة سرْدهِ وعـفويّة أسـْلوبه ، تبــُدو لك مـرايا كل شخصية من تعابيرها و خفـّة حروفهـا و منهجية صياغتهـا ، و تطغى على الـذّهن نظـرة اشمئزاز أو تصريـحة جارحة تسُفّ منـابع الحـِلم منك والتصـبّر؛ خليط من أذواق يعكس مرارة التجارب و سعـادة دكـراها ، نقصّهــا بعدما انزوينا عنهــا إلى جانب دفـَـنت طولـَه أربعين سنة ًخلتْ . كان يجلس قبالتي مبـاشرة صديقي المعـلّم المتقاعد ، شخصيـّة غريبة ، كثـير الإبتســـَام ، قليل الكــلام ، لا يــردّ أبـدا إلا ّ على من خـاطبه باللغـة الفـُصحي ، تحمـرّ خدوده بسهـولة وسط لحيتـه العريضــة المكرُومـة والمنمـّقة ، إذا ما سمع نكتـةً أو دعـابة ، تتـوهُ عن أصـول الـدّين أو تميـل عن سكك المقعُول والجديـّة . كان أوّل من يحـطّ جنـاحيه على الطـّاولة ،/ طاولة المعـلـّم كما يسمـّيها النـّادل / و كنـّا نعْـرفه من بعيد ، لضَخـامة جسمِـه و لوْن بدلتــِه البنـّيـّة ، التي ولا شك عاينت مسـَـاره العمَلي كلـّه ؛ أكلهـا زمهَريرُ المِكـْواة حتى انتابَ خيـُوطهـا بريقٌ خجـِلٌ ومكسـُوف ، تبـْدو عليها صِفـة الفـرْدانيّـة و الشيْخـوخة ، كنـّا لو تثاقــَل علينـا تمْييزه من بين الناس ، حـدّقنا النـّظـر في ربطـةِ عــُنقه المُـزركشة ، يغلبُ عليهـا لونـُها الأصفـر الفــَاقع ، لوَاهـا في ربْطـة لا يـُثقـنُ صَنعتهَـا إلاّ هـوّ ، تـذكـّرنا من اعـْوجَاج عـُقدتهـا ببوَاعث الثورة الفـَرنسِية كمـا لقّنهـا لنا المُستعمِـر. قفز من مكانه و قـد جحضت عينـاه الواسعتين و اشتعلتا و هو يـتوعـّد بسبّـابته كقاض تهيّـأ للحكـم على مـذنب : إنّ ، النــّحْـو هـو مـُقيـم ُ الألسُـن ، وإن عليكـم أن ...و إذا به يسْكت فجـأة كشاة ٍ أقبلت من شـدّة خوفهــا على سبـُع ، و يُحملِق فـوق رأسي و كأنـه سـُلِب من فـتـُُون شيطـَان ماردٍ ، و بـدُون أن أدري ، التفتّ فجــأة ، فـإدا بشبح يعْـلو رأسي ...
ســـيـّدة ٌ ،،، تحمَــل في ظهـْرها رضيعـًـا و بيدهـا اليُمني شبـْه حقيبة مُمـزّقه ، صبيّ لم يتعـدّ الرابعـة من عُمره في يدهــا اليسْرى ، هـول ٌ من شــؤم الزّمـان ، جثــَا على كاهل هـذه المخلوقة البائسة ، شقّ الحرمَان حرير شفتيهـا حتى ابيضّت ، و خـدّين اختفى بهاؤهمـا تحت لون ٍ بصَمتـْهُ الشّمس حتى مال للزّرقــة ، أحمْلق في هـَتين العينين الطافـِـيتين على سُطـوح وجه تنكـّرت له كل أسمــاء التجْمـيل و التـّشبيب ، تستـّرت أهداب جفـُونها على حَـوَر عينيهـا المنطفئتين ، تبدُو تحت ثيابهـا الغيـْر المنسجمـة كشادن في قفص فـُرجة ، وقفتْ ولم تبـُح بكلمَـة ، غلب الحيـاءُ عليهــا فأسْدلت خِصلة من شعرهـا غطّت حاجبـَا و أبانت آخـر ، حريرٌ صبغـَه مـداد ليل ٍحالك ، صـفة ُ أخـرى من صِفـات عزيـز قـوْم ٍ ذلّ ...مـدّ الصّبي بصَـره إلى كأس الشـّاي على الطـّاولة و حمْلق فيه بإمعــان ، ثـمّ رفـَع رأسـه ينظر إلى أمـّه و كأنـه يستجْديهـا و لو برشفـة واحِـدة ، هـزّ دراعهَـــا في حياء ٍ و وَهـن ، و أشار بأصبُعـه إلى الكأس على الطـّاولة ؛ وزيرٌ في مملكة البـؤس يشتشيـر سلطان الشّقـاء ؛ أغمضتُ عينيّ من خجـل ما يترائى لي و من سطـوة ِ الحِـرمان و السـؤال ، هـذه السّيـدة الخجُول ليست من قريتنا ،و هـدا البهـَاء المطمُـوس من عـوَز ٍ، غريبٌ على بني بلدي ، فقد بات تحت قناعها المحتوم ، وجـه مستديـر و بشـُوش ، ثغـر كخاتـم من لـُجين ، ترك الخيرُ والجوُد و العـزّة نحوتهـُم على شطئان أجفانهـا المتمَـارضة ...سكـوتٌ مريب ، هجمت عليّ إثـرهُ جيوش من فـِكر ٍ و حنان و تعطّف و حقـدٍ و كراهية ،،، كيف تعلوُ وجوهَهم البسْمـة وقد أفـْـتوا بتشـْريد الجمَـال و الرّءفة و التعطّف ، كيف يضيع كل هـذا الحسْن في قـُمـامة الإفتـراء و التـّعدّي والسّـطوة ؟ أتمـُوت البرَاءة على أزقــّة التعصّب ؟ أيـُرمى البهـاء ُ كسَقـَطِ متاع ؟ . وقفَ صَاحبي ، رغـْم جتُتـه الهائلة المتهالكة ، في لمْح من بصــر ، و دسّ يده في جيْبـه ، و لكن المـرأة مـدّت يـداً نحيفـة بهـا زُجاجة حليب فارغـة ، كانت تستعْملها لترضع صبيّـها ، و كأنهـا تقول : أريـُد أن أطعم أولادي فقـط .
إنتفض الذين من حوْلي ، واسْتجــابُوا كلّ ٌبعمـَدِه ، و أحسسْت ُ أنـّنا لا نزال نستقبل من حين لآخر نفحـة ً نـديـّة من بواكِر الخيْر والغيث ِ و نحـن نضْرب ُ خبْط عشـواءَ في مفازاتِنـا القـوميـّة و الفكـريّة والعقليـّة والدّينيـّة و الأخــلاقيـّة ..
أحمد رحال
إنتفض الذين من حوْلي ، واسْتجــابُوا كلّ ٌبعمـَدِه ، و أحسسْت ُ أنـّنا لا نزال نستقبل من حين لآخر نفحـة ً نـديـّة من بواكِر الخيْر والغيث ِ و نحـن نضْرب ُ خبْط عشـواءَ في مفازاتِنـا القـوميـّة و الفكـريّة والعقليـّة والدّينيـّة و الأخــلاقيـّة ..
أحمد رحال
.....

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق